ماذا لو زار الأطباء المدارس قبل أن يزورهم الأطفال في العيادات؟

د. عامر نابلسي

تخيّل أن الطفل لا يشعر بالخوف من الطبيب قبل أن يكبر.
تخيّل أن أول معرفة لديه عن الصحة لا تأتي من المستشفى، بل من يوم ممتع مليء بالأنشطة والمرح داخل المدرسة.
هذه ليست مجرد فكرة خيالية، بل اتجاه عالمي بدأ يتبلور في أنظمة صحية متقدمة وفي مبادرات تعليمية تربط بين الصحة والتعليم بطرق مبتكرة.

في كثير من البلدان، لا يقتصر الاهتمام بالصحة المدرسية على وجود عيادة أو وجود كادر صحي بسيط داخل المدرسة. هناك برامج ترفع الصحة إلى مستوى تجربة إيجابية وجذابة للأطفال. أحد الأمثلة المعروفة عالميًا هو مشروع “مستشفى الدببة” (Teddy Bear Hospital)، الذي بدأ في النرويج عام 2000 وانتشر في أكثر من 28 دولة حول العالم. في هذا المشروع، يقوم طلاب الطب بدور “أطباء الدمى” ويستقبلون الأطفال الذين يجلبون معهم دمىهم لعيادة خيالية، ويتم تفسير الإجراءات بلغة بسيطة وودّية تساعد في تقليل خوف الطفل من زيارة الطبيب الحقيقي لاحقًا وتُظهر له أن الطب ليس مقلقًا فقط.

هذه التجربة البسيطة ليست ترفيهية فحسب، بل تعتمد على الاندماج بين التعلّم واللعب لتغيير انطباع الطفل تجاه النظام الصحي، وهذا جزء من نهج أوسع في برامج الصحة المدرسية حول العالم.

في كثير من الدول المتقدمة توجد برامج وطنية للصحة المدرسية ترتكز على تعاون وثيق بين وزارات الصحة والتعليم. أحد هذه النماذج هو الإطار العالمي FRESH (التركيز على الموارد لتحقيق صحة مدرسية فعّالة)، وهو إطار مشترك بين منظمة الصحة العالمية، اليونيسكو، اليونيسيف والبنك الدولي، ويهدف إلى تحسين سياسات الصحة المدرسية والبيئة الصحية وتثقيف الطلاب وتنفيذ خدمات صحية متكاملة داخل المدارس.

في دولة الإمارات مثلاً، أُطلق برنامج “صحّي” في رأس الخيمة بالتعاون بين الجهات الصحية والتعليمية، ويهدف إلى تعزيز الخدمات الصحية داخل المدرسة والقيام بفحوصات وتوعية صحية وتقديم تقارير صحية للطلاب وأسرهم.

حتى على مستوى السياسات الوطنية، نجد دولًا تشجع على تطبيق المعايير الدولية للمدارس المعززة للصحة، مثل مصر التي تم اختيارها ضمن دول أفريقية لتطبيق هذه المعايير في عدد من المحافظات، بهدف تحسين بيئة المدارس بما يشمل الفحوصات الطبية المنتظمة والتغذية السليمة وتشجيع النشاط البدني لدى الطلاب.

ما يميز هذه المبادرات عن الفحوصات الصحية التقليدية هو إعادة تشكيل العلاقة بين الطفل والطبيب منذ البداية. بدلاً من الخوف، يصبح المخبر والوزن والنظر والألعاب التفاعلية فرصة للتعلّم والمرح، وتصبح الزيارة الطبية ذكرى إيجابية في ذهن الطفل.

كما أن هذه الزيارات لا تفيد الطفل فقط، بل تفيد المجتمع بأسره. عندما يصبح الطفل أكثر وعيًا بصحته، فإنه ينقل هذه المعرفة إلى أسرته، ويشارك ما تعلمه مع أصدقائه، الأمر الذي يعزز ثقافة الوقاية بدل الاعتماد على العلاج فقط. وهذه خطوة مهمة لأن الوقاية والتوعية مبكرًا تقللان الضغط على النظام الصحي الكلي، كما تؤكد برامج الصحة العامة العالمية.

الطب لا يبدأ بالعلاج فقط، بل يبدأ من العلاقة الإنسانية والثقة.
عندما نقرّب الأطباء من المدارس والأنشطة الصحية إلى الأطفال، فإننا لا نزرع مجرد معرفة… بل نزرع صحة نفسية وجسدية سليمة تستمر معهم طوال الحياة.