من قلب الخوف إلى أفق الشفاء: رحلتي مع سرطان الرئة
محمد فخري
بدأ كل شيء بسعال مستمر لم يزول رغم كل محاولاتي، وضيق في التنفس كان يزداد تدريجيًا. في البداية، ظننت أن الأمر مجرد نزلة برد أو إرهاق مؤقت. لكن مع مرور الأيام، بدأت أشعر أن جسدي لا يستجيب كما اعتدت، وأن التعب أصبح يرافقني في كل حركة بسيطة. شعرت بعدم الاطمئنان، لكنني تجاهلت الأمر، معتقدًا أنه سيمر كما تمر كل الأشياء العابرة.
ثم جاءت اللحظة التي لم أكن مستعدًا لها: فحص الأشعة والكشف عن ورم في الرئة. لحظة الإعلان عن التشخيص كانت كالصاعقة، شعرت فيها وكأن العالم توقف، وكل شيء من حولي أصبح غامضًا ومخيفًا. كلمة واحدة كانت كافية لتغيير حياتي: “سرطان الرئة”. لم يكن الخوف من الموت فقط، بل من المجهول، من الألم، ومن شعور الفقد الذي بدأ يلوح في الأفق.
في البداية، غلب عليّ شعور العجز والصدمة. كنت أجد صعوبة في التعامل مع نظرات الشفقة أو التعاطف من الآخرين، وكأنهم يرونني مريضًا قبل أن أراه أنا نفسي. شعور الوحدة كان يلاحقني رغم وجود العائلة والأصدقاء حولي. ومع ذلك، شعرت بشيء غريب ينمو بداخلي: رغبة ملحة في القتال، في أن أظهر لنفسي أولًا أن المرض لن يسيطر على حياتي، وأنني قادر على مواجهة هذا التحدي.
بدأت جلسات العلاج الكيميائي والإشعاعي. كانت كل جلسة أشبه بمعركة طويلة، ليس فقط ضد المرض، بل ضد جسدي الذي أصبح ضعيفًا، وعقلي الذي أرهقته المخاوف والقلق. الغثيان المستمر، فقدان الشهية، التعب الذي يثقل كل خطوة… كل ذلك كان يختبر قدرتي على الصبر والتحمل. كانت الليالي بعد كل جلسة صعبة بشكل خاص، حيث كنت أستيقظ مرات عديدة من الألم أو الغثيان، وأشعر بأن جسدي قد تخلى عني.
لكن مع مرور الوقت، بدأت ألحظ تطورات صغيرة تمنحني الأمل. كل فحص دم يظهر انخفاضًا في علامات المرض، وكل صورة أشعة تظهر أن الورم لا يتسع بل يتقلص، كانت أشبه بشعاع ضوء يخترق الظلام الذي كنت أغرق فيه. بدأت أشعر أن كل ألم، كل لحظة تعب، وكل وجبة أتناولها بصعوبة، هي جزء من معركتي نحو الشفاء.
لاحقًا، بدأت مرحلة العلاج الموجه والمناعي، وهو نوع من العلاجات الحديثة التي تستهدف الخلايا السرطانية بدقة، وتقلل الأضرار على بقية جسدي. شعور الحصول على هذه العلاجات كان بمثابة أمل جديد، سلاح فعال في المعركة الطويلة. كل جلسة كانت تمنحني شعورًا بالسيطرة، وكأنني أخيرًا أملك أدوات حقيقية لمحاربة المرض الذي طالما شعرت أنه أقوى مني.
مع مرور الأسابيع، بدأت ألاحظ تغيرات داخلية لم أكن أتوقعها. القوة لم تعد جسدية فقط، بل نفسية وروحية. بدأت أكتب يومياتي بشكل يومي، أسجل فيها كل شعور، كل لحظة ضعف، وكل انتصار صغير. بدأت أمارس تمارين التأمل والتنفس العميق، أستمع إلى الموسيقى التي تهدئ قلبي، وأشارك في مجموعات دعم للمرضى. كل لحظة شعرت فيها باليأس، كنت أبحث عن طريقة لتحويلها إلى طاقة، لتحويل الخوف إلى حافز للنجاة.
الدعم الذي تلقيته من الأصدقاء والعائلة كان لا يقدر بثمن. زياراتهم المتكررة، مكالماتهم، رسائلهم، وحتى الرسائل القصيرة القصيرة التي تقول "أنا هنا معك"، كانت تجعل يومي أسهل. بدأت أفهم أن المجتمع يمكن أن يكون مصدر ضغط أحيانًا، لكن اختيار من أشاركهم تفاصيل رحلتي بحكمة يمكن أن يصنع فرقًا هائلًا في تجربة المريض.
كانت هناك أيام شعرت فيها باليأس الكامل، حيث كنت أستلقي في السرير وأتساءل إن كنت سأخرج من هذه المعركة حيًا. لكن كل صباح كان يجلب فرصة جديدة للقتال، لكل يوم شعرت بقوة أكبر قليلاً، لطاقة أكثر قليلاً، ولشعور أعمق بالأمل. كل خطوة صغيرة، مثل المشي لمسافة قصيرة في البيت، أو تناول وجبة حتى لو كانت قليلة، كانت بمثابة انتصار.
مع مرور الشهور، أصبح جسدي أكثر قدرة على التحمل، وبدأت الطاقة تعود تدريجيًا. الألم لا يزال موجودًا، لكنه أصبح أقل قوة أمام إرادتي. مع كل جلسة علاج ناجحة، ومع كل فحص يظهر تحسنًا، شعرت بأنني أكتب فصلًا جديدًا في قصة حياتي، فصلًا مليئًا بالأمل والانتصار.
وأخيرًا، بعد عام من المعركة الطويلة، جاءت اللحظة التي كنت أنتظرها بشغف: الفحوصات الأخيرة أظهرت شفاء الورم تمامًا. شعور لا يوصف، شعور بالانتصار على الخوف، الألم، واليأس. شعرت أنني خرجت من نفق مظلم إلى ضوء الشمس، وأن كل لحظة صعبة كانت جزءًا من رحلتي نحو الحياة.
خلاصة الرحلة:
الفحص المبكر والوعي بالأعراض قد ينقذ حياتك.
الدعم النفسي والعاطفي لا يقل أهمية عن العلاج الطبي.
العلاجات الحديثة تمنح أملًا حقيقيًا حتى في أصعب المراحل.
كل ألم، كل جلسة، وكل اختبار دم هو خطوة نحو النصر.
المجتمع مهم، لكنه ليس كل شيء؛ القوة الحقيقية تكمن في الإرادة الداخلية والقدرة على مواجهة الخوف والصعاب.
الانتصارات الصغيرة اليومية، مثل القدرة على المشي، الأكل، أو الابتسام، لها أثر هائل على رحلة الشفاء.
